محمد بن علي الشوكاني

2547

الفتح الرباني من فتاوى الإمام الشوكاني

بالدليل قامت عليه الحجة ، وبطلت دعواه ، واسترحنا من الكلام معه ، والاستدلال عليه ( 1 ) . وهذه الجملة معلومة من علم المناظرة ، لا خلاف بين أهله في ذلك ، وكما أن هذا معلوم في علم المناظرة فهو أيضًا معلوم في علم أصول الفقه ، فإن المتمسك بالعام لديهم لا يتزحزح عن ذلك العموم إلا إذا اعتقد من يدعي خلافه بالمخصص الصالح للاحتجاج به ، وإلا فقوله رد عليه . إذا تقرر لك هذا فاعلم أن القائل بأن الخيل لا يحل أكلها ، وأنها كالحمير ، والبغال لا بد أن يأتي بدليل تقوم به الحجة ، وإلا فالواجب البقاء على تلك العمومات السابقة ، فإن استدل على تحريمها بقول الله - عز وجل - : { والخيل والبغال والحمير لتركبوها } ( 2 ) الآية . قلنا له : هذه الآية ليس فيها شيء من الدلالة على ما تريد ، وبيانه أن الله - سبحانه - إذا ذكر لشيء من مخلوقاته فائدة ، أو فائدتين ، أو فوائد ، فذلك لا يدل على أن لا يوجد فيها [ 1 ب ] غير ما ذكره الله - سبحانه - ، وهذا لا يخالف فيه أحد ممن يعرف العلوم الآلية ، ويدري بلغة العرب ، وبأسرارها المبينة في علم المعاني والبيان ، وفي علم أصول الفقه . وقد ذكر الله - سبحانه - في الإبل فوائد ومنها : { وتحمل أثقالكم إلى بلد لم تكونوا بالغيه } ( 3 ) الآية ، وهكذا سائر الحيوانات التي أحلها لا يستلزم ذكر فائدة من فوائدها أن تكون هي المرادة ، ولا يجوز غيرها ، وهذا أمر مجمع عليه بين أهل العلم ، ومع هذا فهذه الآية التي استدلوا بها مكية وقد تعقبها التحليل بالمدينة كما سيأتي بيانه .

--> ( 1 ) سيأتي ذكره . ( 2 ) [ النحل : 8 ] . ( 3 ) [ النحل : 7 ] .